ابن كثير
191
البداية والنهاية
نائبها عوضا عن قرطاي ( 1 ) توفي . وفي جمادى الأولى طلب القاضي شهاب الدين بن المجد عبد الله إلى دار السعادة فولي وكالة بيت المال عوضا عن بن القلانسي ، ووصل تقليده من مصر بذلك ، وهنأه الناس . وفيه طلب الأمير نجم الدين بن الزيبق من ولاية نابلس فولي شد الدواوين بدمشق ، وقد شغر منصبه شهورا بعد ابن الخشاب . وفي رمضان خطب الشيخ بدر الدين أبو اليسر بن الصائغ بالقدس عوضا عن زين الدين بن جماعة لاعراضه عنها واختياره العود إلى بلده . قضية القاضي ابن جملة لما كان في العشر الأخير من رمضان وقع بين القاضي ابن جملة وبين الظهير شيخ مالك الأمراء - وكان هو السفير في تولية ابن جملة القضاء - فوقع بينهما منافسة ومحاققة في أمور كانت بينه وبين الدوادار المتقدم ذكره ناصر الدين ، فحلف كل واحد منهما على خلاف ما حلف به الآخر عليه ، وتفاضلا من دار السعادة في المسجد ، فلما رجع القاضي إلى منزله بالعادلية أرسل إليه الشيخ الظهير ليحكم فيه بما فيه المصلحة ، وذلك عن مرسوم النائب ، وكأنه خديعة في الباطن وإظهارا لنصرة القاضي عليه في الظاهر ، فبدر به القاضي بادي الرأي فعزره بين يديه ، ثم خرج من عنده فتسلمه أعوان ابن جملة فطافوا به البلد على حمار يوم الأربعاء سابع عشرين رمضان ، وضربوه ضربا عنيفا ، ونادوا عليه : هذا جزاء من يكذب ويفتات على الشرع ، فتألم الناس له لكونه في الصيام . وفي العشر الأخير من رمضان ، يوم سبع وعشرين ، وهو شيخ كبير صائم ، فيقال : إنه ضرب يومئذ ألفين ومائة وإحدى وسبعين درة والله أعلم ، فما أمسى حتى استفتى على القاضي المذكور وداروا على المشايخ بسبب ذلك عن مرسوم النائب ، فلما كان يوم تاسع عشرين رمضان عقد نائب السلطنة بين يديه بدار السعادة مجلسا حافلا بالقضاة وأعيان المفتيين من سائر المذاهب ، وأحضر ابن حملة قاضي الشافعية والمجلس قد احتفل بأهله ، ولم يأذنوا لابن جملة في الجلوس ، بل قام قائما ثم أجلس بعد ساعة جيدة في طرف الحلقة ، إلى جانب المحفة التي فيها الشيخ الظهير ، وادعى عليه عند بقية القضاة أنه حكم فيه لنفسه ، واعتدى عليه في العقوبة ، وأفاض الحاضرون في ذلك ، وانتشر الكلام وفهموا من نفس النائب الحط على ابن جملة ، والميل عنه بعد أن كان إليه ، فما انفصل المجلس حتى حكم القاضي شرف الدين المالكي بفسقه وعزله وسجنه ، فانفض المجلى على ذلك ، ورسم على ابن جملة بالعذراوية ثم نقل إلى القلعة جزاء وفاقا والحمد لله وحده ، وكان له في القضاء سنة ونصف إلا أياما ، وكان يباشر الاحكام جيدا ،
--> ( 1 ) هو قرطاي بن عبد الله الأشرفي المنصوري الجوكندار ، الأمير شهاب الدين الناصري ، كان كبيرا خبيرا ، عمر بطرابلس مدرسة محكمة البناء في غاية الحسن " وهي المدرسة القرطائية " وهي من أفخم مدارس طرابلس وبها دفن .